الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واللام في قوله : لِلْحَقِّ لام العلة وليست لام تعدية فعل القول إلى المقول له أي قال بعض الكافرين لبعض في شأن الذين آمنوا ومن أجل إيمانهم . والحق : هو الآيات ، فعدل عن ضمير الآيات إلى إظهار لفظ الحق للتنبيه على أنها حق وأن رميها بالسحر بهتان عظيم . و لَمَّا جاءَهُمْ توقيت لمقالتهم ، أي يقولون ذلك بفور سماع الآيات وكلما جاءتهم ، أي دون تدبر ولا إجالة فكر . [ 8 ] [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 8 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 8 ) إضراب انتقال إلى نوع آخر من ضلال أقوالهم . وسلك في الانتقال مسلك الإضراب دون أن يكون بالعطف بالواو لأن الاضراب يفيد أن الغرض الذي سينتقل إليه له مزيد اتصال بما قبله ، وأن المعنى : دع قولهم : هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [ الأحقاف : 7 ] ، واستمع لما هو أعجب وهو قولهم : افْتَراهُ ، أي افترى نسبته إلى اللّه ولم يرد به السحر . والاستفهام الذي يقدر بعد أَمْ للإنكار على مقالتهم . والنفي الذي يقتضيه الاستفهام الانكاري يتسلط على سبب الإنكار ، أي كون القرآن مفترى وليس متسلطا على نسبة القول إليهم لأنه صادر منهم وإنما المنفي الافتراء المزعوم . والضمير المنصوب في افْتَراهُ عائد إلى الحق في قوله : قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ [ الأحقاف : 7 ] ، أو إلى القرآن لعلمه من المقام ، أي افترى القرآن فزعم أنه وحي من عند اللّه . وقد أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بجواب مقالتهم بما يقلعها من جذرها ، فكان قوله تعالى : قُلْ جملة جارية مجرى جواب المقاولة لوقوعها في مقابلة حكاية قولهم . وقد تقدم ذلك في قوله : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في أوائل سورة البقرة [ 30 ] . وجعل الافتراء مفروضا بحرف إِنِ الذي شأنه أن يكون شرطه نادر الوقوع إشارة إلى أنه مفروض في مقام مشتمل على دلائل تقلع الشرط من أصله . وانتصب شَيْئاً على المفعولية لفعل تَمْلِكُونَ ، أي شيئا يملك ، أي يستطاع ، والمراد : شيء من الدّفع فلا تقدرون على أن تردوا عني شيئا يرد علي من اللّه . وتقدم معنى ( لا أملك شيئا ) عند قوله تعالى : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ